|
أعمال التجريف
إن جزءاً لا يتجزأ من التطور الصناعي المتنامي لعدن هو **الميناء بعمق 40 قدماً في عدن الصغرى (البريقة)**، الذي تم تجريفه في عرض البحر لتوفير مدخل لميناء النفط الجديد التابع لشركة البترول البريطانية B.P. وتوفير مساحة لرسو ومناورة ناقلات النفط الضخمة التي أصبحت تروح وتجيء باستمرار.
وبينما كان العمل في هذا المشروع قد بدأ، اتُخذ القرار بتوسيع وتعميق وتحديث **ميناء عدن الأساسي** نفسه، وتنفيذ أعمال التجريف الهامة جداً للمشروعين معاً.
|
14s.jpg)
|
|
الحفارة الهولندية العملاقة "Kil" وهي تعمل في قلب الميناء الداخلي في المعلا 1956. |
وقد قامت شركتا **كيه. إل. كاليس وأولاده K.L. Kalis Sons and Co.** و **شركة التجريف والإنشاءات Dredging and Construction Co.** بالعمل بشكل مشترك، وقدمتا أسطول تجريف متكامل.
كان الأسطول يتكون من:
- ثلاث حفارات ضخمة بدِلاء (Bucket Dredgers) قادرة على العمل حتى عمق 60 قدماً.
- حفارتين كبيرتين لشفط وإعادة ضخ الرمال (Reclaimer Dredgers) بأنابيب قطرها 24 و 26 بوصة.
- ورشة إصلاح عائمة مجهزة تجهيزاً كاملاً.
- مخزن يحتوي على قطع غيار تتراوح من البطانات والفرش الكربونية إلى الدلاء والمعدات الثقيلة.
- أسطول من صنادل الردم والقاطرات والسفن المساعدة الأصغر
.
وكان يشغل الوظائف الرئيسية في جميع المعدات حوالي 90 هولندياً، معظمهم جاء من منطقة **سليدريخت Sliedrecht** في هولندا، وهي منطقة معروفة تقليدياً بأنها مركز تدريب لرجال التجريف.
#### العمل في الميناءين
في عدن الصغرى، كانت هناك مساحة غير محدودة تقريباً لعمليات التجريف، وكان الاعتبار الوحيد هو إبقاء العجلات تدور لأطول فترة وأسرع ما يسمح به الطقس.
|
14s.jpg)
|
|
خط الأنابيب العائم ووصلة الشاطئ المستخدمة لضخ الرمال إلى مناطق الاستصلاح، والتي ستُوسع المنطقة الصناعية في عدن.
|
أما في ميناء عدن، حيث تبحر السفن ليل نهار دخولاً وخروجاً، فقد كانت هناك مشكلة مستمرة لتأمين مساحة كافية في الميناء لحفارة واحدة بدِلاء فقط، والتي مع أسلاك مراسيها الستة والصنادل والقاطرات المرافقة لها كانت تشغل مساحة كبيرة. وكان لا بد من التفكير كثيراً فوق خريطة كبيرة مع ربان الميناء، ولكن كان يتم دائماً إيجاد حل عملي.
في كلا المشروعين، كان يتم ضخ التربة المجروفة إلى الشاطئ في مناطق الردم لتوفير مساحة صناعية إضافية. ففي عدن الصغرى تم بناء الخزانات وخطوط أنابيب النفط على هذه المناطق. وفي عدن، تم إنشاء شاطئ جديد بجانب **جزيرة العبيد (Slave Island)**، اضطر بناة السفن الشراعية (ضوء) إلى نقل أحواض بناء السفن إليه، وتم توسيع المدينة بمقدار **145 فداناً** من خلال هذا المشروع، مما وفر مساحة واسعة للصناعات الجديدة ومرافق الميناء الحديثة.
#### حرارة وأوتاد مسروقة!
باستثناء هطول أمطار غزيرة أحياناً بشكل ملحوظ، لم يقدم الطقس أي مفاجآت: كان حاراً، وكان السكن الأولي (بيوت جاهزة من الخشب الرقائقي لأربعة أشخاص) حاراً بشكل غير مريح. ولم يعان طاقم الحفارات العامل في البحر بقدر ما عانى الرجال العاملون في الردم، حيث كان يتم نقل الأنابيب وإزالتها.
|
14s.jpg)
|
|
مقياس المد والجزر المركب على "Ham 203" كوسيلة مساعدة للتجريف الدقيق (يمكن رؤية جبل شمسان في الخلفية). |
لم تكن مياه الشرب والظل قريبة دائماً، وكانت المسافات بين الأماكن كبيرة، وكانت الرمال تتطاير بشكل متكرر. وتحمل كل هذا، كان يوم عمل مدته 12 ساعة في درجة حرارة 90 أو 100 فهرنهايت (32-38 مئوية) كافياً!
كان لا بد من وضع المنارات والأوتاد الخشبية باستمرار وبدقة للإشارة إلى الاتجاهات والمستويات، وكان من المحبط أن نجد في كثير من الأحيان في صباح اليوم التالي أن معظم الأوتاد قد "أُزيلت" لاستخدامها كوقود لإعداد وجبة في الصحراء. وتم التغلب على هذه المشكلة بالتحول إلى أوتاد حديدية!
كان ساحة التخزين منطقة مختارة بعناية، ولكن حتى قطع الغيار الكبيرة كانت تضيع تحت الرمال المنجرفة التي تتراكم بارتفاع قدمين خلال بضع ساعات، رغم أنها كانت تتطاير أحياناً.
#### الرياح الموسمية
إن تأثير الرياح الموسمية برياحها القوية وأمواجها العاتية، التي منعت التجريف في البحر المفتوح، لم يكن معروفاً بدقة قبل بدء العمليات. ففي السنوات الماضية، لم يتم الاحتفاظ بسجلات الرياح والأمواج بدقة لأسباب مختلفة، وفي المنطقة الصحراوية في عدن الصغرى لم يتم بالطبع تسجيل أي سجلات على الإطلاق.
في اليوم الأول من العمليات توقف العمل لحوالي ثلاثة أسابيع بسبب ارتفاع غير متوقع في البحر. بعد الأسبوع الأول كان هناك أمل في تحسن الظروف؛ بعد الأسبوع الثاني كان هناك بعض الشك فيما إذا كان يمكن تنفيذ العمل على الإطلاق. وبين الرياح الموسمية كانت هناك بعض الفترات الهادئة نسبياً (ليست دائماً هادئة كما هو متوقع)، مما مكن من تجريف قنوات الوصول إلى الموانئ في البحر المفتوح دون تأخير كبير.
#### فحص العمق وأسماك الراي!
تم أخذ قياسات الأعماق بواسطة جهاز صدى كهربائي (Echo-Sounder) مثبت في زورق بمحرك. هذا الجهاز ينتج صورة متواصلة ودقيقة لقاع البحر أينما ذهب؛ يتم تسجيل كل تفاوت.
في أحد الأيام، على سبيل المثال، تم فحص الأعماق الحالية بالقرب من قناة المدخل حيث كان من المتوقع عمق حوالي 36 قدماً.
|
14s.jpg)
|
|
الضخ جار في منطقة ردم المعلا. الأنقاض تشمل الأصداف والشلنات بالإضافة إلى الرمال! |
وُجد الامتداد الأول (حيث تم تجريف القنابل لاحقاً) سليماً. وبشكل غير متوقع سجل جهاز الصدى "قاعاً" عند 21 قدماً على طول كبير، مما أثار نظرات شك من المشغلين. وسجل فحص آخر على نفس الامتداد 36 قدماً وتنفس المشغلون الصعداء. وكان التفسير أن سرباً كبيراً من **أسماك الراي اللاسعة (Stingrays)** وجد أنه من المثير للاهتمام السباحة مع ظل الزورق!
#### السفن التي تجر الحفارة!
عندما كانت الحفارة تعمل ليل نهار في مدخل الميناء مع حركة مرور كثيفة، تم إعطاء إشعار للسفن الملاحية وتم تحذير كل سفينة بشكل خاص عبر الراديو عن أي جانب يجب أن تمر منه الحفارة. لكن الطقس كان حاراً ويجلب النعاس، ولم يكن جميع مشغلي اللاسلكي منتبهين باستمرار، ولم يكونوا جميعاً ملمين باللغة الإنجليزية. أصبح هذا مزعجاً إلى حد ما، لأنه بتجاهل تحذير صريح بعدم المرور أمام الحفارة، يمكن للسفينة أن تلتقط سلك المقدمة السميك بسمك 1 بوصة، جارّة الحفارة بأكملها معها.
في إحدى الليالي، التقطت سفينة عابرة قبل رفع مرساتها بشكل واضح إحدى سلاسل الحفارة الجانبية (كاملة مع المرساة) ولدهشتها الكبيرة وجدتها معلقة من مرساتها الخاصة عندما تم رفعها إلى فتحة السلسلة. ولحسن الحظ انقطعت سلسلة الحفارة على سطح السفينة.
وكان على ربان الحفارة المنهك أيضاً أن يتعامل مع سفن الداو التي لم يكن بحارتها يقلقون بشأن الاتجاه أو الراديو بل كانوا يعتمدون على الله عندما تكون السفينة أو الحياة على المحك.
#### ماذا وجدوا في قاع البحر؟
وفرت الحفريات الشاملة في تربة عدن، التي لم يتم إجراء أبحاث كثيرة عليها سابقاً، معلومات حول أنواع التربة. فحيث كان جهاز الحفر الاستكشافي يرفع أصدافاً ورمالاً سائبة فقط، قد تصطدم الحفارة بتكتل صخري يكاد يكون غير قابل للتجريف.
وبصرف النظر عن ذلك، كانت الدلاء تعلق في كثير من الأحيان في أشياء ليست من صنع الطبيعة. لم يكن من الاستثنائي أن يتم إخراج مراسي بوزن طنين أو أربعة أطنان، في كل مرة مع خطر أن يتم ثقب قاع الحفارة إذا صعدت المرساة بالطريقة الخاطئة. وكان من المدهش مدى سرعة تعرف المالكين السابقين على مراسيهم "الخاصة" بعد إنزالها إلى البر!
إن الدمدمة العالية في المضخات وخطوط الأنابيب للحفارة الشافطة لم تكن تشير دائماً إلى وجود حجارة. وبشكل غير متوقع، أثناء التجريف في قناة المدخل، تم العثور على كميات كبيرة من **القنابل وقذائف 8 بوصات**. مرت هذه عبر حفارة الدلاء دون أن تُرى في دلاء سعة 28 قدماً مكعباً، لكنها ظهرت عندما كانت المضخات تكافح للتعامل مع "الرمال" الثقيلة، وانفجرت المروحة الدافعة البالغ قطرها 5 أقدام بشكل لا يمكن إصلاحه.
وشملت الاكتشافات غير العادية الأخرى: كرات مدفع قديمة، أنابيب فولاذية، سلاسل، تروس، إطارات سيارات، براميل نفط، حبال سلكية فولاذية، رؤوس مصدات من سكة حديد الشيخ عثمان - لحج الراحلة وحتى **محرك سيارة كامل**.
في بعض الأحيان كان الردم أبيض بالملح، وفي أحيان أخرى كان أسود تماماً، مما يذكرنا بالوقت الذي كانت فيه سفن لا حصر لها في الميناء تتزود بالفحم. وجاءت مئات الشلنات أيضاً، وتم العثور على غنائم حية أيضاً داخل السدود المحيطة بالردم. كمية كبيرة من الأسماك غير القادرة على الهروب ابتلعت بعضها البعض أولاً وتم اصطيادها بسهولة عندما كان الردم يمتلئ. لكن أسماك الراي اللاسعة بطول قدمين، ولأسباب مفهومة، بقيت دون مساس.
#### عمال عدن المهرة
استمر العمل 24 ساعة في اليوم بنظام ورديتين - حتى خلال شهر رمضان. أظهر بعض الرجال المحليين، الذين لم يروا حفارة من قبل في حياتهم، مهارة وبراعة مدهشة، كما لو أنهم كانوا في المهنة منذ سنوات. وإذا كانت هناك حاجة إلى حافز خاص، كان الجواب هو **الشاي مع الكثير من السكر والحليب!** نظراً لأن أزمة السكن كانت شديدة في عدن - وبالطبع، وإن كان مؤقتاً فقط، في عدن الصغرى - لم يتمكن العمال من إحضار عائلاتهم. ومع عمل الحفارات ليل نهار لم يتمكن الرجال من النوم على متنها، لذلك كان لا بد من إسكانهم على الشاطئ. بالنسبة للعرب لم تكن هذه مشكلة: كانوا يضعون أسرّتهم المصنوعة من سعف النخيل في أي مكان في الخارج ويعلقونها على الحائط نهاراً لمنع الماعز من أكل القش. في بعض الأحيان كان المرء يتعثر بأقدام بارزة من الأنابيب الاحتياطية في الردم؛ تبين أن هؤلاء هم بعض رجال الوردية الليلية الذين كانوا يستمتعون نهاراً براحتهم المستحقة. أما بالنسبة للأوروبيين فكانت المساكن المكيفة ضرورية لتمكينهم من تقديم أفضل ما لديهم. وقد تم تعويض التكاليف الكبيرة بشكل واف من خلال زيادة الطاقة. ونادراً ما كانت هناك عطلة نهاية أسبوع مريحة لأن ذلك كان هو الوقت الوحيد المتاح للإصلاحات الضرورية والواسعة. كان الناس الذين يعيشون حول الخليج على دراية كاملة بالعمل ليل نهار؛ في البداية انزعجوا من الضوضاء غير السارة أثناء ساعات النوم، ثم اعتادوا عليها لاحقاً، ولم يستيقظوا إلا عندما توقفت الحفارة. **وبفضل تعاون جميع المعنيين، تم إنجاز هذين المشروعين بنجاح.
ترجمة آلية:من حولية ميناء
عدن 1956-1957م
|